السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

32

أصول الفلسفة

صرف برهة من عمره في تحصيل الفلسفة وتدريسها حتى استبطن دقائقها وأحصى مسائلها ، وأحاط على وجه التحقيق على آراء أساتذتها الأكابر الذين يعدّون من النوابغ الذين تبزغ شمسهم في الفينة بعد الفينة أمثال : الفارابي وأبي علي وشيخ الإشراق وصدر المتألّهين . ولكنّه - دام ظله لم يكتف بما استحصله طول هذه السنين من الآراء القديمة ، بل دأب يفحص عن الآراء الحديثة في المسائل الفلسفية التي أطلّ بها الغرب على المعاهد العلمية ، وطفق يحلّلها بذوقه وفطرته السليمة ونبوغه الممتاز . نعم ، ليس كل من رمى أصاب الغرض ، وليست الحقائق رمية للنبال وإنّما يصل إليها الأمثل فالأمثل ، وأنت إذا دقّقت النظر في آثار سيدنا الأُستاذ ومآثره العلمية وتآليفه القيّمة في مختلف العلوم الإسلامية ، لعرفت أنّه البطل العظيم الذي يضن بمثله الدهر إلّا في فترات متباعدة ، وآثاره الخالدة هي الحجة البالغة على تضلّعه في العلوم والفلسفة الإسلامية ، إذ هو المؤسّس في أكثر مسائلها ، وكفانا صيته الطائر في الجامعات العلمية وحوزاتها عن مؤنة الإطراء والتوصيف . على أنّه لم يوجّه فكرته إلى ناحية خاصة ، بل أصبح نبوغه الوهّاج ميّالًا إلى كلّ علم وفضيلة ، مشاركاً في الفنون والفضائل ، ومتخصّصاً في بعض النواحي فضرب في كل علم بسهم وافر ، حتى أتقن كل ما تصبو إليه نفسه من الفنون والمعارف ، فأصبح من أعاظم المتخصّصين في الفقه وأُصوله ، وعلوم القرآن وتفسيره ، ومن المتضلّعين في الحكمة الإلهية ، وقد حضرنا دروسه العالية في الفلسفة .